أبو حامد الغزالي

260

تهافت الفلاسفة

مسألة في إبطال قولهم : إن النفوس الإنسانية ، يستحيل عليها العدم بعد وجودها وأنها سرمدية لا يتصور فناؤها . فيطالبون بالدليل عليه ، ولهم دليلان : - أحدهما : قولهم إن عدمها لا يخلو : إما أن يكون بموت البدن . أو بضد يطرأ عليها . أو بقدرة القادر . وباطل أن تنعدم بموت البدن ، فإن البدن ليس محلا لها ، بل هو آلة تستعملها النفس بوساطة القوى التي في البدن ، وفساد الآلة لا يوجب فساد مستعمل الآلة ، إلا أن يكون حالا فيها منطبعا ، كالنفوس البهيمية والقوى الجسمانية . ولأن للنفس فعلا بغير مشاركة البدن ، وفعلا بمشاركته . فالفعل الذي لها بمشاركة البدن ، التخيل والإحساس والشهوة والغضب ، فلا جرم يفسد بفساد البدن ، ويقوى بقوته . وفعلها بذاتها دون مشاركة البدن ، إدراك المعقولات المجردة عن المواد ، ولا حاجة في كونها مدركة للمعقولات إلى البدن ، بل الاشتغال بالبدن يعوقها عن المعقولات ، ومهما كان لها فعل دون البدن ، ووجود دون البدن ، لم تفتقر في قوامها إلى البدن .